خرجتُ من منزلها .. أجر الخطى .. وكأنما أقتلِع قدماي من الأرض اقتلاعا .. ركبت سيارتي ..وأنا في حال لا يعلمها إلا الله .. حاولت أن أدير المحرك .. شعرت بعدم الاتزان فرميت برأسي على المقود وأجهشت في البكاء .. غصة في حلقي أبت إلا أن تخرج دموعاً مرة كالعلقم .. وكأنها عصارة حزن مرير قد خبأته السنون ..
عشرون عاما ..
عشرون عاما .. ولا زالت آثارها باقية .. لا زلت أذكرها .. أي والله لا زلت أذكرها .. رائحة عطرها لم تزل تزكم أنفي فينتشي منه قلبي طربا ..
ففي ذلك اليوم - قبل ما يقارب العشرين عاما - أخلد جميع إخوتي " أبناء الدار" إلى النوم .. كنت معهم .. وكعادتي كل ليلة وقبل أن أنام .. جلست أقلب فكري .. أتخيل .. أتأمل .. لماذا قست علي المربية ! لقد كسر ماجد لعبتي ! ضربني أحمد صباح اليوم دون سبب .. فمن سيأخذ حقي .. من ينتصر لي .. لا أب يداري .. ولا أم تواسي ! هكذا أسمعهم يرددون .. لكن ترى ما هي الأم ما هو الأب ؟؟!! لا أدرك .. لا زلت صغيرا ..
هكذا كنت .. أفكر .. وأفكر حتى يغلبني النعاس .. فأنام لأنهض في الصباح الباكر أرقب الأحداث التي ترسم في ذهني ألف علامة استفهام .. واستفهام ..
إلا تلك الليلة .. لم ولن أنسها .. حيث كان السكون يخيم على ذلك المكان المظلم إلا من شهقات طفل الخامسة .. لا أدري لماذا كنت أبكي .. فقط شعرت برغبة عارمة في ذلك .. حاولت البكاء بصوت خافت .. كي لا يسمعني أحد ..
بينما كنت كذلك إذ بيد دافئة تربت على شعري ثم ترفع عن رأسي الغطاء لتكفكف أدمعي بمنديل كان في يدها الأخرى .. نظرت إلي بتبسم .. ثم ضمتني برفق إلى حضنها .. تملكني حينها شعور غريب .. إحساس رائع .. أعجز عن وصفه !!!؟؟ أخذت نفسا عميقا ثم أسلمت جفوني للنوم ولا زالت شهقاتي المتقطعة تقطع سكون المكان !!؟؟؟
نمت .. ولم تزل رائحة عطرها عالقة في ذهني في قلبي .. بل في عقلي ..
أتراها الأمومة !!!
أتراه الحنان !!!
ياااه .. أي حرمان ذاك الذي عشته طوال خمس سنوات مضت .. وعشرون عامًا تلت !!
رفعت رأسي من على المقود ..وألقيت نظرة في المرآة .. الدمع قد غطى لحيتي .. أوووه عيب عليك يا محمد .. أنت رجل .. أو يبكي الرجال .. !
أخذت أكفكف أدمعي .. وأدرت محرك السيارة .. ألقيت نظرة أخيرة على منزلها ..
دين كبير لها في قلبي أحمله .. لكم أنا ممتن ..
وربي لا أبالغ فأنا مدين لها بالفضل ما حييت !!؟؟
رغم الألم .. ها قد كبرت .. تخرجت .. حصلت على وظيفة .. وها أنا قد أعددت نفسي لليلة العمر .. هاجس ما .. جعلني أبحث عنها .. كنت حريصا على دعوتها بنفسي لتشاركني الفرحة .. أو بالأصح لتكتمل فرحتي أنا ..!
عندما عقدت العزم للبحث عنها بدأت من نقطة الصفر " دار الحضانة الاجتماعية " منزلي الأول .. بطريقة أوبأخرى طلبت منهم الرجوع إلى السجلات .. أريد الاسم الكامل لها ؟ بحثوا عن أسماء المناوبات في تلك الفترة .. وبصعوبة بالغة استطعت العثور على الاسم ومن ثم منزل أهلها الذين أخبروني بدورهم أنها قد تزوجت وأنها تقطن مدينة أخرى .. لم أيأس .. بحثت وبحثت .... حتى عثرت على عنوان منزلها .. استأذنت من زوجها الذي كان متفهما لأبعد الحدود .. حدد لي موعدا للزيارة ..
دخلت علي محتشمة بحضور زوجها .. كنت مطرقا وقد أسبلت غترتي على جانبي وجهي .. ألقيت عليها السلام ..شكرتها وأثنيت عليها .. ثم دعوتها لحضور حفل زفافي .. وعدتني بالحضور وقد بينت لي أنها سعيدة بذلك وكأن أحد أبناءها سيتزوج .. ودَّعوني بحرارة كما كان اللقاء كذلك .. مع دعوات لا تنفك بالتوفيق في الدنيا والآخرة ..
عدت إلى منزلي .. إلى عشي الذي بدأت في إنشاءه .. لقد عزمت أن أبني أسرة .. سأعطي أبنائي ما كنت أفتقده .. نعم .. لن أبخل عليهم .. سأضمهم كل ليلة إلى صدري.. سأشعرهم بالأمان .. بالعطف .. بالحب .. أنا واثق من أني أستطيع ذلك .. فالسعادة قد تولد أحيانا من رحم الأحزان ..
غريب في الحياة وفي المماتِومجهول الهوية والصفـاتِ
كذا كانت حياتي دون معنـىيفسرهـا ككـل الكائـنـات
بـلا أم تهدهدنـي رضيعـاًتقبلنـي كـكـل الأمـهـاتِ
تكفكف لي دموعي حين أبكيوتسمعني أغـانٍ مرضيـاتِ
بدون أب أضم إليـه اسمـيويحمينـي سهـام النائبـات
يقربنـي ويمنحنـي حنانـاوبعض الحب مثل الأعطيات
بلا مأوى يلملم لـي شتاتـيبلا أهل ولا حـب يواسـي
أقاسي اليتم ويح اليتم إنـيبلا نسب فأحمي فيـه ذاتـي
سأبقى في صراع سرمـديٍوأصرخ بالدموعِ الساخنـاتِ
أماناً أيهـا القلـب المُعنّـىورفقـا بالعيـون البائسـات
للاستماع
http://www.hawahome.com/files/upload_files/401/aitam.rm
أخيرا ..
يا من تقرأ- ين سطوري ..
مهلا ..
لست أبالغ .. وليست تلك قصة من نسج الخيال .. إنما هي حقيقية سمعتها من أحدهم .. نثرتها بأسلوبي المتواضع .. لا لأثير أحزان من سكنت أحزانه .. إنما لألفت انتباه المجتمع لتلك الفئة التي قصرنا ولا زلنا مقصرين في حقها ..
أرى قلوبا أرقها الألم وأصابها الكمد .. فسخرت مالها .. فكرها .. يراعها .. لمعالجة قضايا مختلفة وفئات غالية في مجتمعنا الصغير .. ونعم بها من قلوب .. وأكرم بها من نفوس ..
لقد سعوا ..اجتهدوا.. كل حسب مقدرته .. فها نحن ذا نرى تقدما ملحوظا .. واهتماما إعلاميا وثقافيا بذوي الاحتياجات الخاصة .. جزى الله خيرا كل من سعى لأجلهم بماله أو بفكره أو حتى بدعاءه .. فذوو الاحتياجات الخاصة فئة عزيزة وتستحق منا أكثر ..
لكنا نعلم أن قلوب أهل الخير كبيرة وستتسع لكل محتاج ..
هم -أقصد الأيتام- ليسوا بحاجة للمال بقدر حاجتهم للاهتمام .. بل لا يريدون المادة مطلقا فقد اكتفوا منها .. هم يفتقدون شيئا نعجز نحن ممن تشبعنا منه إدراكه ..!!
أنا ممن عاصر هؤلاء الأيتام لكن بسطحية تامة .. وقد لاحظت أن بعضهن يحملن تكتلات من ألم قد تحور مع مرور الزمن إلى ما يشبه (التمرد) على كل ما حولهن ومن حولهن .. ومع ذلك لا زلت ألمح في أعينهن البراءة فلا ألومهن.. أي ذنب جنينه .. حتى .......!!!!!
إن اختلاطهن واختلاطهم مع أبناء وبنات المجتمع خارج الدار زادهم ألما مع آلامهم .. لقد لمست هذا .. حتى أنني تجرأت وسألت إحداهن ممن ألمح فيها بوادر النباهة والذكاء .. هل تفضلون أن يكون لكم مدارس خاصة بكم !!!؟؟ فأجابت بالإثبات وقالت أننا نواجه ضغوطا كثيرة .. نحن يا أستاذتي منبوذون من طالباتكم كثيرا ما نتشاجر معهم .. !!
الغريب في الأمر أني أرى تكاتفا عجيبا بين هؤلاء الأيتام وتأييدا لبعضهم البعض في الخير والشر !!
ترى أين الخلل .. هل هو في تلك البنيات أم في هؤلاء الأيتام .. أم .. أم فينا نحن !!؟؟
نحن نحتاج إلى توعية واسعة في هذا المجال .. وليتنا نعقد ندوة إلكترونية متعددة المحاور كالتي عقدتها أختنا القديرة شهرزاد عن ذوي الاحتياجات .. وليت أحد الأعضاء ممن يملك البراعة في فن التحاور أن يتصدق بوقته وقلمه ليدير دفة الحوار في موضوع مستقل يخص هؤلاء الأيتام !! إنهم فعلا بحاجة إلينا .. فهل من مشمر!!؟؟
مواضيع تفيدك :
طريقة
رؤية الروابط في المواضيع |
طريقة
طرح برنامج او موضوع في المنتدى